ساسي سالم الحاج
72
نقد الخطاب الاستشراقي
وعند حصول هذه الوقائع الجليلة ، كان الرسول قد جهر بدعوته ، فلما تواترت الأخبار بمكة على ظهور الفرس على بيزنطة فرح المشركون بهذا الخبر . وكان المسلمون يتمنّون أن تكون الغلبة لبيزنطة لأنها أمة كتابية مثلهم ، ومن هنا كانت قصة الرهان بين أبي بكر وأبيّ بن خلف حول المنتصر النهائي في الحرب الدائرة بين هاتين القوتين . ولكننا لا نستبق الحوادث ، ودعنا نعود إلى تحليل رودنسون حول أثر هذه المشاكل على تكوين الشخصية المحمدية لما ستحدثه من آثار مستقبلية لا مثيل لها في تاريخ البشرية . فيرى هذا المستشرق أن النزاع الدائر بين هاتين القوتين كان متسما بطابع ديني واضح . فقد كان هناك مسيحيون في سوريا وقفوا بجانب الفرس ضد أبناء ملّتهم خاصة النسطوريين ، بينما وقف المونوفستيون بجانب بيزنطة . وانتهز اليهود فرصة انتصار الفرس المبدئي على بيزنطة وتلك الفوضى الضاربة أطنابها في أقاليم بيزنطة الشرقية فثاروا عليها ، وتحالفوا مع العناصر المناوئة لها . ولكن عندما أتت المقادير ب « هرقل » إلى السلطة وكان قد درس علم النجوم وعرف خلال استقراء هذا العلم أن أمته سوف يجتاحها قوم يختتنون فاعتقد أن هؤلاء لن يكونوا سوى اليهود فأرسل إلى ملك الفرنجة « داجوبير » Dagobert يطلب منه تنصير اليهود وحملهم على المذهب الكاثوليكي وهو الأمر الذي نفذه هذا الملك . وقد أرسل أوامر مماثلة إلى جميع مقاطعات أمبراطوريته لأنه كان يجهل مصدر هذه الكارثة التي ستحيق ببلاده « 1 » . لقد كان لهذه الأحداث صداها في المجتمع المكي ، وكانت الدعاية المسيحية واليهودية على أشدها . وحاولت كل طائفة التبشير بمعتقداتها . ولكن لسوء حظ المسيحيين فإنهم لا يعرفون إلّا القليل عن ديانتهم لأن غالبيتهم ينتمون إلى طبقات اجتماعية صغيرة ومحتقرة . فقد كانوا تجارا بسطاء ، أو تجار نبيذ أو مالكي المواخير ، أو مغامرين ، أو حدادين أو أرقاء . فهم لم ينتظموا في سلك جماعة منظمة . ولم يكن لهم قساوسة أو كنائس . فهم ينتمون إلى جماعات مختلفة تصف كل طائفة أختها بالزندقة والإلحاد ولم يأخذوا بحظ وافر من علوم دينهم . فكانت ديانتهم ديانة الشعبيين البسطاء . نعم إنهم يطبقون قليلا شعائر صلواتهم ، ويعرفون أمورا عن القصص اللطيفة الواردة في الأناجيل القديمة والحديثة وهذا هو مبلغ علمهم بديانتهم .
--> ( 1 ) Ibid , op . cit , p . 85 .